Translate

الأحد، 18 نوفمبر، 2007

الحكامة/الحكم الصالح (الراشد) والتنمية المستدامة

الحكامة/الحكم الصالح (الراشد) والتنمية المستدامة
عبد الحسين شعبان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1][1] في الوقت الراهن، وفي العالم العربي، حلت كلمة رشيد بدل راشد، فكلمة رشيد تعني حسن التقدير والتدبير، وقد جاء في الآية الكريمة (أل************************** مقدمةما يزال الحديث عن التنمية الانسانية المستدامة والحكم الصالح (الراشد) في مرحلتهما الاولى، وبخاصة في عالمنا العربي والاسلامي، فحتى عهد قريب وربما قبيل صدور تقارير الامم المتحدة الانمائية، كان المقصود بالتنمية هو النمو الاقتصادي، وإستبدل التركيز من النمو الاقتصادي، الى التركيز على التنمية البشرية والى التنمية المستدامة فيما بعد، اي الانتقال من الراسمال البشري الى الرأسمال الاجتماعي وصولاً الى التنمية الانسانية ببعدها الشامل، اي الترابط بكل مستويات النشاط السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي، بالاستناد الى نهج متكامل يعتمد على مبدأ المشاركة والتخطيط الطويل الامد في حقول التعليم والتربية والثقافة والاسكان والصحة والبيئة وغيرها، ويتوخى قدراً من العدالة والمساءلة والشرعية والتمثيل.من هنا نشأت العلاقة بين مفهوم الحكم الصالح (الراشد) والتنمية الانسانية المستدامة، لأن الحكم الراشد هو الضامن لتحويل النمو الاقتصادي الى تنمية انسانية مستدامة. ومع ذلك فقد ظل المفهوم بحاجة الى تأصيل وتبيئة خصوصاً في المنطقة العربية، التي تعاني من ضعف المشاركة ومركزية الدولة الشديدة الصرامة وعدم اعطاء دور كاف لهيئات الحكم المحلي، ناهيكم عن إبعاد مؤسسات المجتمع المدني من المساهمة وعدم توّفر بيئة صالحة سياسية وفكرية واقتصادية واجتماعية لذلك، سواء على صعيد التشريعات او بسبب ضيق مساحة الحريات الخاصة والعامة وبشكل خاص الحريات الاساسية.هذه الورقة تناقش في إشكالية المفاهيم، لتنتقل الى المؤشرات والأبعاد بالنسبة للتنمية أو للحكم الصالح، لتضع محورية العلاقة بين التنمية والحرية وان لم تكن عملية شرطية، لكنها في نهاية المطاف لا بدّ ان تفضي اليها كفضاء لا غنى عنه، سواء من خلال الحكم الصالح او العلاقة المتبادلة بين الديمقراطية والتنمية، وبعدها تتوقف الورقة عند سؤال التنمية والحكم الصالح... الى أين؟، لتخصص فقرة خاصة باعلان الحق في التنمية الصادرة عن الامم المتحدة عام 1986.اشكالية المفاهيمما الذي نعنيه بالتنمية؟ هناك المفهوم الضيق المتداول أحياناً ببعده التقليدي، والذي يُقصد منه التنمية الاقتصادية. يقابله المفهوم الواسع، الذي يستند الى فكرة التنمية الانسانية ببعدها الشامل، وكذا الحال بالنسبة لفكرة الحكم الراشد او "الحكم الصالح" او " الجيد" او " الرشيد" والذي شاع استخدامه في السنوات الاخيرة (1)، فالمفهوم الضيق، والذي تُفضل ادبيات البنك الدولي استخدامه، يعتمد على فكرة الادارة الرشيدة بدلالة النمو الاقتصادي، عندما يتم التطرق الى التنمية، في حين ان المفهوم الواسع يرتفع الى مستوى السياسة، فيعالج مسألة الحكم والعلاقة بين عامة الناس والادارة الحاكمة، بما يدخل في ذلك مسألة الشرعية والمشاركة والتمثيل والمساءلة، اضافة الى الادارة العامة الرشيدة باعتبارها مكوّنات للحاكمية الراشدة (الصالحة) كما يذهب الى ذلك تقرير التنمية الانسانية العربية (2).وتبرز الحرية كفكرة جوهرية ومركزية في عملية التنمية الانسانية، خصوصاً اذا اعتبرنا التنمية الانسانية هي: " عملية توسيع خيارات الناس"، وبهذا المعنى، للناس ولمجرد كونهم بشراً، حق أصيل في العيش الكريم مادياً ومعنوياً، جسداً وروحاً ويترتب على ذلك:1- شمول مفهوم التنمية مبدأ المساواة وعدم التمييز بين البشر وفقاً لأي اعتبار اجتماعي او اقتصادي او ديني او قومي او لغوي او جنسي، او غير ذلك.2- إتساع مفهوم التنمية ليشمل الجوانب المعنوية، مثل الحرية واكتساب المعرفة وحق التمتع بالجمال واحترام الكرامة الانسانية والمشترك الانساني، وبهذا المعنى فالتنمية لا تعني الوفرة المادية حسب، ولكنها تتطلب بناء القدرات البشرية المطلوبة لتحقيق الرفاه والتوظيف العقلاني للقدرات البشرية في مجالات النشاط الانساني والانتاج والسياسة والمجتمع المدني.هكذا اذاً التنمية لا تعني مجرد تنمية الموارد البشرية، ولا حتى تنمية بشرية حسب، اي تلبية الحاجات الاساسية، لكنها تنمية انسانية شاملة في البشر والمؤسسات المجتمعية لتحقيق الحرية والعدالة والكرامة الانسانية.والمفهوم الواسع للتنمية الانسانية يضيف الى الحريات المدنية والسياسية (بمعنى التحرر من القهر ومن جميع اشكال الحطّ من الكرامة الانسانية، مثل الجوع والمرض والفقر والخوف) الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ليصل الى قاعدة عريضة تعتمد على مبادئ حقوق الانسان. اما الحكم الصالح فلا بد ان يعتمد على عدد من المحاور الاساسية منها: صيانة الحرية، اي ضمان توسيع خيارات الناس، وتوسيع المشاركة الشعبية والمساءلة الفعّالة والشفافية الكاملة في ظل فصل السلطات والتوازن بينها، وسيادة القانون والقضاء المستقل والنزيه والكفوء، الذي تنّفذ أحكامه من قبل السلطات التنفيذية.والامر يتطلب تضافر ثلاث قطاعات: قطاع الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص(رجال الاعمال).ولكي يتحقق مقداراً من التعاون الضروري بين القطاعات المختلفة وفي اطار تعاون دولي، فلا بدّ من احترام حقوق الانسان والحريات الاساسية، وتكريس البنية القانونية، والتحلي بمبادئ الادارة الرشيدة المؤسسية بعيداً عن التسلط الفردي والهيمنة، وهذا يتطلب تداولاً للسلطة ومكافحة للفساد وفقا لمساءلات قضائية، وفي اطار مجتمع مدني حر وعلاقات دولية تتسم بقدر من الاحترام لقواعد القانون الدولي وفي اطار المصالح المشتركة.التنمية والحكم الصالح: أبعاد ومؤشرات!!مرّ مفهوم التنمية بأربعة مراحل: المرحلة الاولى، جرى التركيز على النمو الاقتصادي، وفي المرحلة الثانية على التنمية البشرية وفي المرحلة الثالثة، على التنمية البشرية المستدامة، وفي المرحلة الرابعة، على التنمية الانسانية بمعناها الشامل، وإقترن هذا التطور بإدخال مفهوم الحكم الصالح في ادبيات الامم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ولعل السبب في ذلك يعود الى ان بعض البلدان، التي حققت نمّواً اقتصادياً، لم تستطع أن تحقق تحسنّاً في مستوى معيشة غالبية السكان، وهكذا فان تحسن الدخل القومي لا يعني تلقائياً تحسين نوعية حياة السكان (3).وساهم " التراكم الريعي" في بعض البلدان تحقيق تنمية محدودة، بسبب من محدودية مساحة الحريات كما هي بلدان الخليج العربي، كما حققت انظمة شمولية تنمية محدودة ايضاً في بدايات توجهها، لكنها وصلت الى طريق مسدود، بل عانت من اختناقات حقيقية بسبب فسحة الحريات الشحيحة وأساليب الاستبداد والتفرد في الحكم، التي استفحلت كما هي التجربة المصرية والعراقية والسورية والجزائرية والليبية واليمنية الجنوبية وغيرها، وهكذا تهيأت تربة خصبة لعرقلة التنمية. ولعل الاطلال على تجربة البلدان الاشتراكية السابقة في دول اوروبا الشرقية وغيرها، يعطينا ذخيرة كبيرة لمتابعة علاقة التنمية بالحرية ومؤشراتها المستقبلية(4).وركزت تقارير برنامج الامم المتحدة الانمائي منذ العام 1990، على مفهوم نوعية الحياة وعلى محورية الانسان في التنمية، وأصبح النمو الاقتصادي ليس غاية بحد ذاته، بل هو وسيلة لتحقيق التنمية، ومن واجب الحكم الصالح ان يتأكد من تحقيق المؤشرات النوعية، لتحسين حياة السكان وهذه المؤشرات تتعدى الجوانب المادية ليندرج فيها العلم والصحة والثقافة والكرامة الانسانية والمشاركة.لا يمكن اذاً الجزم بعلاقة شرطية مطلقة بين التنمية والحرية، لكن انعدام أو شحّة الاخيرة سيؤدي الى تقليص حجم التنمية ويؤثر مستقبلا على استمرارها، إنْ لم يكن تراجعها وهو ما بينّته التجربة التاريخية.ان علاقة التنمية بالحكم الصالح يمكن قراءتها من خلال ثلاثة زوايا هي: 1- وطنية، تشمل الحضر والريف وجميع الطبقات الاجتماعية والفئات بما فيها المرأة والرجل.2- عالمية، أي التوزيع العادل للثروة بين الدول الغنية والدول الفقيرة وعلاقات دولية تتسم بقدر من الاحترام والمشترك الانساني والقواعد القانونية.3- زمنية، اي مراعاة مصالح الاجيال الحالية والاجيال اللاحقة (5). ووفقاً لهذه الزوايا يمكن قراءة الابعاد الأساسية للحكم الصالح من خلال:1- البعد السياسي، ويعني طبيعة النظام السياسي وشرعية التمثيل والمشاركة والمساءلة والشفافية وحكم القانون.2- البعد الاقتصادي والاجتماعي بما له علاقة بالسياسات العامة والتأثير على حياة السكان ونوعية الحياة والوفرة المادية وارتباط ذلك بدور المجتمع المدني واستقلاليته.3- البعد التقني والاداري، أي كفاءة الجهاز وفاعليته، فلا يمكن تصور ادارة عامة فاعلة من دون الاستقلال عن النفوذ السياسي، ولا يمكن تصوّر مجتمع مدني دون استقلاليته عن الدولة ولا تستقيم السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بغياب المشاركة والمحاسبة والشفافية، هكذا اذاً يحتاج الامر الى درجة من التكامل.يمكن القول ان مؤشرات التنمية الانسانية المستدامة تتلخص في توسيع قدرات الناس وخياراتهم والتعاون بتحقيق التنمية وعدالة التوزيع والاستدامة، اي التواصل في العيش الكريم والأمان الشخصي دون خوف او تهديد، ويذهب تقرير التنمية الانسانية العربية لعام 2000 الى اضافة: الحرية والحق في اكتساب المعرفة والشفافية وتمكين المرأة باعتبارها مؤشرات نوعية لا تتحقق الا بوجود نظام ادارة حاشد يضع السياسات ويسعى لتطبيقها(6). وقد كشف تقرير التنمية الانسانية العربية لعام 2004 عن النقص الفادح في الحريات وبخاصة السياسية والمدنية ونقص المعرفة والثقافة والنظرة غير المتوازنة الى حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل ناهيكم عن الموقف من حقوق الاقليات.لعل نقيض الحكم الصالح او الراشد هو الحكم السيء poor governance وذلك من خلال المعايير التالية: 1- عدم تطبيق مبدأ سيادة القانون أو حكم القانون و Rule of law .2- الاندغام بين المال العام والمال الخاص وعدم الفصل الواضح والصريح بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة.3- الحكم الذي لا توجد فيه قاعدة شفافة للمعلومات وعلى العكس من ذلك قاعدة ضيقة لصنع القرار.4- استشراء الفساد والرشوة وانتشار آليتهما وثقافتهما وقيمهما.5- ضعف شرعية الحكام وتفشي ظاهرة القمع وهدر حقوق الانسان.6- الحكم الذي لا يشجع على الاستثمار خصوصاً في الجوانب الانتاجية ويدفع الى الربح الريعي والمضاربات (7).في دراسة للبنك الدولي بخصوص الحكم الراشد في الشرق الاوسط وشمال افريقيا، حددت معيارين: الاول حكم القانون والمساواة وحق المشاركة والفرص المتساوية للاستفادة من الخدمات، اما الثاني: التمثيل والمشاركة والتنافسية والشفافية والمساءلة (8) . وذهبت دراسة ثانية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لتأكيد على اربعة معايير هي دولة القانون وادارة القطاع العام والسيطرة على الفساد وخفض النفقات العسكرية في حين ان البرنامج الانمائي للامم المتحدة UNDP ركز على تسعة معايير وهي :1- المشاركة 2- حكم القانون 3- الشفافية 4- حُسن الاستجابة 5- التوافق 6- المساواة 7- الفعالية 8- المحاسبة 9- الرؤيا الستراتيجية(9) .معايير الحكم الراشد (الصالح)وفقاً للبرنامج الانمائي للامم المتحدة(10)المحاسبة التوافقالشفافية الحكم الراشد/الصالح (السليم) المشاركة حسن الاستجابة حكم القانون المساواة الفعالية ولا يمكن الحديث عن هذه المعايير دون إستقرار سياسي وسلم مجتمعي واهلي، ووجود مؤسسات وتداول سلمي للسلطة وإقرار بالتعددية وانتخابات عامة دورية وادارة اقتصادية ومشاركة شعبية.وقد تبلور هذا المعيار في العقدين ونيف الماضيين في ضوء تجارب تنموية مختلفة من حيث المضمون والنتائج، ناجحة وفاشلة. ولعل هذا جزء من نقاش حول دور الدولة في عملية التخطيط والمعوّقات التي تواجهها، او انسحاب الدولة بعد فشل عدد من التجارب وترك عملية التنمية لآليات السوق والمنافسة بالتركيز على الانتاجية والربحية وتقليص حجم الدولة عبر الخصخصة، لكن هذا التوجه لم يؤدي الى نتائج ايجابية في الكثير من الدول النامية خصوصاً في اميركا اللاتينية مثل البرازيل والارجنتين ومصر في الانفتاح الاقتصادي وازداد التفاوت الاجتماعي عمقاً والهوّة اتساعاً.اما المفهوم الثالث فقد ركزّ على دور مشاركة الدولة بالدرجة الاساسية، اضافة الى القطاع الخاص والمجتمع المدني، بحيث تكون الدولة اللاعب الاساسي في وضع السياسات العامة في مجالات التعليم والعمل والتدريب المهني والاشغال والبيئة وتوزيع الموارد بعدالة وعلى تقرير دور المجتمع المدني ودفع القطاع الخاص نحو المشاركة في المشاريع الانتاجية او الاهتمام بالجندر " المرأة"، خصوصاً في البلدان التي تحتاج الى دور اكبر للدولة مع مراعاة دور القطاع الخاص وحمايته وتشجيعه وكذلك الى مساهمة المجتمع المدني.وإذا كان الحكم الرشيد أو الصالح يعني حسن التصرف في إدارة الحكم لجهة الشفافية والمساءلة والمساواة ، لحدودها الدنيا وللشرائح الدنيا أحياناً ، فإنها يمكن أن تساعد في تحقيق التنمية وتشتبك مع الديمقراطية ، التي تعني أشكال وأساليب ممارسة السلطة السياسية وآليات اتخاذ القرار إضافة إلى مجموعة الضمانات القانونية ضد العسف السياسي من جانب السلطة على حقوق الفرد والمجتمع كما ورد في أعلاه (11).حسب اعتقادي، هناك علاقة وثيقة بين التنمية والحكم الصالح والديمقراطية، لكن مثل هذه العلاقة ليست حصرية أو إجبارية ، فقد يكون هناك حكم غير ديمقراطي لكن إدارته وسلوكه أقرب إلى الحكم الصالح ، وبالطبع فإن كل نظام ديمقراطي لابد أن يشتبك مع موضوعة الحكم الصالح خصوصاً في مسألة المساواة والمساءلة والشفافية. كما أن تحسين اداء الحكم وربطه بالديمقراطية ، يتطلب نوعاً من الإصلاح السياسي سواء من حيث الأسس أو التوجهات العملية بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي، فقد تتيح كما أشرنا بعض الأنظمة درجات معينة ومحدودة من المساءلة والشفافية لأسفل الهرم الحكومي ، لكنها تظل بعيدة عن المتطلبات والشروط الدولية للديمقراطية. أما أنظمة الحزب الواحد حيث تأكل الدولة المجتمع وتبتلع مؤسساته المدنية، (الأهلية وغير الحكومية) أو تحّولها إلى تابع لها فإن مسألة المساءلة والشفافية تضعف إلى حدود كبيرة، حيث ينتشر الفساد والتسلطية والإستبداد بتراتبية من قمة الهرم حتى قاعدته، على حد تعبير المفكر والمصلح عبد الرحمن الكواكبي.النظام الديمقراطي يتطلب فصلاً للسلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتناوبية عبر انتخابات دورية ومجتمع مدني ناشط ، واحترام لحقوق الإنسان، ومساءلة للحاكم، وتلكم هي إحدى مقاربات الديمقراطية على المستوى العالمي من الناحية الحقوقية الفكرية والسياسية، وهي التي أخذت بها الأمم المتحدة والعديد من الهيئات الدولية (12). وهناك أسئلة تتوالد باستمرار حول الديمقراطية والتنمية: منها هل ان الديمقراطية هي الرافعة التي تؤسس بالضرورة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ؟ أو ان هذه تنشأ بمعزل عن طبيعة نظام الحكم؟ أو قد تنشأ متأثرة بالنظام السياسي (نسبيا) اي بسلوكية الحكم ، سواء كان حكماً صالحاً (Good Governance)أو كان حكما طالحا (Poor Governance)، وسواء كان حكماً ديمقراطياً أم شمولياً؟ والسؤال يطرح على نحو اخر: هل الديمقراطية والتنمية مكوّنات لمعادلة واحدة ، بحيث ان وجود الاولى يقود بالضرورة الى الثانية؟ وهل ان الديقراطية وحقوق الانسان ، هما "الهدف المركزي" أم أن التنمية وتحسين الحياة الاجتماعية والرفاه الاقتصادي هي الهدف ؟ أي هل الديمقراطية هي الوسيلة والتنمية هي الهدف؟ أم أنهما تختلطان مع بعضهما وتتبادلان الادوار أحيانا، فالوسيلة تكون هدفا لمرحلة تأسيس والهدف يصبح وسيلة لرفاه السكان؟ (13) .ومن مشكلات التنمية والحكم الصالح في مجتمعاتنا العربية أننا نعاني من:1- استمرار نمط الدولة الريعية او شبه الريعية، التي تعتمد على موارد أولية او مصادر تأتي من الخارج.. مثل النفط، السياحة، تحويلات من الخارج، رسوم الترانزيت والقروض.2- استمرار ظاهرة الدولة الأمنية، التي تعتمد على سياسة القمع، واحتواء المجتمع المدني ومصادرة الحريات ...3- ضعف البنية المؤسسية السياسية والادارية وغياب المحاسبة والشفافية.4- ضعف مفهوم المواطنة وعدم وجود عقد اجتماعي لعلاقة الحكام بالمحكومين من خلال دستور واضح ومحدد وعصري ويستجيب لحاجات التطور، وشحّة الحريات وبخاصة حرية التعبير وحق الاعتقاد وحق تأسيس الاحزاب والجمعيات والنقابات وضعف المشاركة السياسية، وتفشي الامراض الاجتماعية مثل :الطائفية والعشائرية والجهوية وغيرها.5- ضعف مشاركة المرأة في الحياة العامة والحياة السياسية بشكل خاص وانعدام الفرص المتساوية والمتكافئة امام القانون وفي الحياة العملية وفي العمل، واستمرار تفشي الامية في صفوف النساء على نحو شديد ومضاعف بالنسبة للرجال، وكذلك استمرار الموقف السلبي من قضية الاقليات الدينية والقومية واللغوية وحقوقها ناهيكم عن وجود وتفاقم ظاهرة عزل المهمشين وذوي الاحتياجات الخاصة.6- النمو الكبير للجهاز البيروقراطي وترهل الادارة الحكومية وتقادمها وارتفاع المديونية وانخفاض معدل الانتاجية وازدياد العجز في الميزانية، واعتبر تقرير التنمية الانسانية العربية ان نقص الحرية مسؤول عن فشل بناء الدولة الحديثة وفشل التنمية الانسانية في المنطقة العربية (14). سؤال التنمية والحكم الصالح الى أين؟يطرح هذا السؤال نفسه بعد مناقشة اشكالية المفاهيم: هل يمكن الحديث عن حق الانسان في التنمية بإعتباره حقاً جماعياً للشعوب دون ربطه بالفرد الكائن البشري؟ ومصدر هذا السؤال يمتد الى الصراع الايديولوجي في فترة الحرب الباردة والنظرة المنحازة لكلتا المنظومتين الاشتراكية والرأسمالية. ومثل هذا الجدل بل والصراع كان قائماً على المستوى الدولي سواء في الامم المتحدة أو خارجها، وازداد عمقاً وشمولاً في ظل " العولمة " وارتفاع وتيرة المصالح في ظل لاعب اساس متحكم في اللعبة الدولية، وممارسة حقه في التجارة باعتباره الاقوى وتأثيره على المؤسسات المالية الكبرى، التي حوّلها الى حصون منيعة له، وبرز ذلك مع تراكم مشاكل الهجرة وانتشار المخدرات وإستشراء الارهاب وتفاقم مشكلة اللاجئين والتوظيف السياسي من وراء ذلك، حين كان الغرب يغض النظر عن انتهاكات حقوق الانسان من بعض اصدقائه، بحجة مكافحة التطرف والتعصب والارهاب والاصولية، وتحجب المساعدات عن دول حاولت ان تتلمس طريقها في التنمية بما ينسجم مع خصائصها وتطورها ورفضها الخضوع أو التبعية، ويثا أمامها على نحو إغراضي قضية انتهاكات حقوق الانسان، بطريقة توظيفية بعيدة عن عدالتها.في العام 1977 دخل " الحق في التنمية" في جدول اعمال لجنة حقوق الانسان بالامم المتحدة، وبذلك بدأت مرحلة جديدة من مراحل تطور حقوق الانسان.شكّلت اسئلة التنمية جزءاً من المقترب البنيوي بخصوص الجيل الثالث لحقوق الانسان، رغم ان الثمانينات شهدت اوضاعاً انتقالية، استكملت حتى نهايتها بوضع حواجز أمام سلع العالم الثالث، مما زاد في تعميق أزمة التنمية واستفحال المديونية وهيمنة سياسة المؤسسات المالية الدولية، التي قادت الى استنزاف للموارد الطبيعية والانسانية، للدول وتقليص فرص النمو والعمالة وارتفاع وتيرة العنف وعدم الاستقرار والمزيد من انتهاكات حقوق الانسان.وفي بداية التسعينات تعزز مفهوم الحق في التنمية بمفهوم " التنمية البشرية" كما ورد في تقارير الامم المتحدة للتنمية، سواء من البرنامج الانمائي للامم المتحدة UNDP أو من جانب البنك الدولي، حيث تمت الدعوة الى مكافحة الفقر وايلاء اهتمام اكبر بالجانب الاجتماعي واعتماد مبدأ المشاركة كجزء من الحق في التنمية ومبدأ الحكم الصالح الراشد (الجيد) Good Governance.وفي بيان القمة بمناسبة الالفية الثالثة، لزعماء العالم الذي حضره نحو 150 زعيماً أيلول(سبتمبر) 2000، جرى الوعد بإحداث تغييرات رسمية بوضع اهداف لخفض نسبة من يعيشون بأقل من دولار واحد يومياً، الى النصف وكذلك عدد الاشخاص الذين يفتقرون الى مياه شرب صحية واستكمال البنين والبنات مراحل تعليمهم الابتدائي ووضع حد لانتشار الايدز والملاريا والامراض الفتاكة الاخرى(15).وفي البيان المذكور شددت الجمعية العامة للامم المتحدة على القيم والمبادئ انطلاقاً من الامم المتحدة وميثاقها كاساسين لا يمكن الاستغناء عنهما لبناء عالم اكثر سلاماً وازدهاراً وعدالة، وجرى التأكيد على السعي لتصبح العولمة قوة ايجابية لصالح جميع الشعوب في العالم وتقاسم فوائدها.وتم التأكيد على قيم الحرية والحكم الديمقراطي والتشاركي والمساواة والتضامن والتسامح والمسؤولية المشتركة في ادارة التنمية الاقتصادية والاجتماعية العالمية بالاضافة الى مسؤولية حماية السلم والامن الدوليين.وبخصوص التنمية والقضاء على الفقر جرى التأكيد على ما يلي: • تحرير الرجال والنساء والاطفال من الاوضاع المُذِلّة وغير الانسانية.• خلق مناخ مناسب دولياً ومحلياً، يتجاوب مع التنمية والقضاء على الفقر.• اعتماد الشفافية المالية والنقدية التجارية من خلال أنظمة حكم تتكيف لذلك في كل بلد.• ابداء القلق ازاء العقبات التي تواجهها الدول النامية.• التعامل الفاعل لحل مشكلة المديونية للدول النامية ذات الدخل المنخفض والمتوسط.• تلبية احتياجات دول الجزر الصغيرة النامية.• الاقرار بحاجة الدول النامية التي لا تمتلك منفذاً بحرياً ومساعدتها على تخطي عقبات النقل والمرور وتحسين انظمتها وشبكاتها المواصلاتية.وفي فقرة خاصة تم تناول موضوع حماية البيئة والتأكيد على المحافظة على الغابات وتطويرها ومكافحة التصحر والجفاف وايقاف الاستغلال المفرط للموارد المائية. وفي اطار توصيف عملية التنمية وربطها بالديمقراطية جرى الحديث عن الحكم الصالح والتأكيد على بذلك الجهود لترويج الديمقراطية وتعزيز سيادة القانون الى جانب احترام حقوق الانسان والحريات الاساسية، المعترف بها دولياً بما فيها الحق في التنمية، مؤكداً على احترام حقوق الاقليات ومكافحة جميع انواع العنف ضد المرأة وضمان حقوق المهاجرين والعمال وعوائلهم ووضع حد للاعمال المتصاعدة التي تتخذ شكلاً عنصرياً او عداءاً وكرهاً للاجانب والتشجيع على الانسجام والتسامح في المجتمع.وكان مؤتمر فيينا العالمي لحقوق الانسان الذي انعقد في العام 1993 قد دعا لإقرار تفاهم عالمي حول حق التنمية حين نص على " تحسن الطرح النظري وزيادة الادوات الدولية في ميدان حقوق الانسان، لا يمكن ان يحجبا عن كل متتبع ان الهّوة ازدادت في الوقت اتساعاً بين الدول وداخلها ولاسيما في حقل ما يصنف بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي لا يمكن فصلها عن الحقوق المدنية والسياسية (16).انطلاقا من ذلك فان حق التنمية هو عملية شاملة ترمي الى ضمان جميع حقوق الانسان والحريات الاساسية، وهي حق من حقوق الانسان غير قابلة للتصرف، وجزء لا يتجزأ من الحريات الاساسية، ويرسخ اعلان الحق في التنمية هذا المفهوم، وذلك بسعيه لدمج التنمية بحقوق الانسان على نحو متكامل، ويتطلب مسؤولية جميع الاطراف في المجتمع الدولي، ويسعى الى ربط مفاهيم التنمية الانسانية المستدامة بحق الانسان والمشاركة النشطة الحرة والفعالة لكل الافراد في التنمية.وتتأكد اكثر فكرة الربط بين الحقوق الفردية في التنمية وبين الحقوق الجماعية للمجتمع او الدولة، فحق التنمية هو حق للفرد مثلما هو حق للجماعة، واذا كان الامر يتطلب جماعة متحررة غير خاضعة لهيمنة اجنبية، وحقاً على المستوى الدولي في مساعدتها على التنمية، فانه يتطلب أيضاً ديمقراطية داخلية واحترام حقوق الفرد حتى لا تصبح الجماعة قمعية.ولا بد هنا من التأكيد إن تثبيت الحق في التنمية، وهو الخطوة الثانية المهمة بعد اعلان تصفية الاستعمار(الكولونيالية) لعام 1960، الصادر عن الجمعية العامة، انما يستهدف المساعدة في تعديل الميزان المختل في العلاقة بين الشمال والجنوب، بين الاغنياء والفقراء، بين الاقوياء والضعفاء، وكذلك الجمع بين مجالين ظلاّ يعملان بصورة منفصلة وهما حقوق الانسان والتنمية.يقول جون باجي من المفوضية السامية لحقوق الانسان " ما بين عام 1952 و1999 حدثت الكثير من التطورات في قاعات المؤتمرات في الامم المتحدة وفي الكثير من دول العالم، مما استوجب اعادة النظر في الفهم الخاطئ الناتج عن إعمال مجموعتين من الحقوق، ونتيجة لذلك... وافقت 171 دولة بالامم المتحدة في مؤتمر فيينا (1993) على ضرورة ادماج هاتين المجموعتين من الحقوق في مجال التطبيق، اذا ما اريد لأجندة الامم المتحدة في مجال حقوق الانسان ان تكون ذات معنى" (17).جدير بالذكر الاشارة الى ان الجمعية العامة واجهت منذ العام 1950 مشكلة تقرير ما اذا كانت ستمضي في طريق صياغة عهد دولي او اتفاقية دولية لحقوق الانسان ملزمة قانوناً، وذلك بعد الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر في 10 كانون الاول (ديسمبر)عام 1948.لكن الامر الذي تم التوصل اليه هو صياغة عهدين او اتفاقيتين رغم ان الجمعية العامة ذاتها اكدت :" ان التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، متداخلان ومترابطان، وان الانسان المحروم من الحقوق الاقتصادية لا يمكن ان يكون نموذجاً للانسان الحر".لكن فشل لجنة حقوق الانسان من التوصل الى صيغة كهذه، اضطر الجمعية العامة للموافقة عام 1952 على فصل حقوق الانسان الى مجموعتين... وانطلاقاً من ذلك " القرار" اضطررنا ان نعيش هذا التقسيم الخاطئ وغير المقنع لمجموعتين من الحقوق رغم ترابطها وتداخلها.عند تثبيت الحق في التنمية لا بدّ من إلفات النظر الى مسؤوليات الحكومات الغربية، خصوصاً والحكومات بشكل عام ازاء الفرد والمجتمع، كجزء من البعد الاخلاقي لعملية دمج التنمية بحقوق الانسان، سواءاً بمعناها الدولي ومسؤولية بلدان الشمال الغنية او بمعناها الاقليمي والوطني بمسؤولية حكومات بلدان الجنوب عن ربط التنمية باحترام حقوق الانسان كجزء منها وباحترام القواعد الديمقراطية في تطور المجتمع والفرد.يطرح البروفسور كارل فاسيك موضوع " الحق في التنمية" كجزء من تطور عملية حقوق الانسان، وهو ما يطلق عليه الحقوق الجديدة من منطق " حقوق التضامن"، كالحق في السلام والحق في بيئة نظيفة، والحق في الاستفادة من التراث المشترك للبشرية. وكان فاسيك قد طرح المسألة عام 1977 بمناسبة التحضير للذكرى الـ 30 للاعلان العالمي لحقوق الانسان ومرور 200 عام على الثورة الفرنسية. ويعدّ فاسيك مبدع فكرة الجيل الثالث لحقوق الانسان(18).ويذهب أبعد من ذلك عندما يعتبر ان الحقوق المدنية والسياسية وهي التي تمثل (الجيل الاول)، كانت قد صيغت في القرن الثامن عشر وشكلت خلفية ثقافية للثورة الفرنسية.اما الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وهي تمثل (الجيل الثاني) فقد صيغت في القرن التاسع عشر والقرن العشرين تحت تأثير الفكر الاشتراكي والماركسي ، خصوصاً موضوع المساواة والحديث عن حقوق العمل والعمال والضمان الاجتماعي وغيرها.اما (الجيل الثالث) او " حقوق التضامن" فهي محاولة لادخال البعد الانساني بعد حقوق الانسان، خصوصاً وان تلك الحقول كانت متروكة للدولة مثل البيئة والسلام والتنمية والتواصل والتراث المشترك للانسانية.ولكي يتم تأمين هذه الحقوق وترابطها مع الحقوق الاخرى فلا بدّ من جهود جميع الفاعلين في العملية الاجتماعية سواء كانت دول او مجموعات او كيانات او افراد (19).وبهذا المعنى فان التنمية كستراتيجية، تنطلق من عملية شمولية متكاملة تتضمن جميع حقوق الانسان وهي غير قابلة للتجزئة وفقاً لمؤتمر فيينا لعام 1993، كما لا يمكن ان يُصار الى رفضها بحجة وجود أنظمة غير ديمقراطية، بما يؤدي الى المساس بصدقية الحقوق ذاتها، وكذلك لا يمكن رفضها أو تأجيلها بحجة الدعاوى التي تتعكز على الخصوصية القومية او الدينية او الثقافية، لتعطل المنظومة الدولية والمعيارية لحق التنمية، بحجة التدخل الخارجي، حتى وان كان "انسانياً"، اذ لم يعد مقبولاً التملص من الالتزامات والمعايير الدولية، الهادفة الى احترام الفرد ودوره في المشاركة في عملية التنمية وتطوير عملية السلام الاجتماعي والتطور الديمقراطي في المجتمع، فذلك من واجبات الدول ازاء نجاح وتقدم عملية التنمية.واكدت السيدة ماري روبنسون، مفوضة الامم المتحدة السامية لحقوق الانسان السابقة، هذا المعنى عندما اشارت في ندوة القاهرة (1999) الى ان مؤتمر فيينا لحقوق الانسان منح تأكيداً واضحاً للحق في التنمية، كحق عالمي، لا يمكن انكاره، وكجزء لا يتجزأ من الحقوق الاساسية للانسان.وحددت روبنسون الاطراف التي ينبغي تعاونها لانجاح عملية ادماج التنمية بحقوق الانسان بما يلي : الحكومات والجماعة الدولية والمجتمع المدني ودائرة رجال الاعمال (20).اعلان الحق في التنميةيذهب البعض الى القول ان الامم المتحدة عندما أصدرت " إعلان الحق في التنمية" في كانون الاول (ديسمبر)1986 لم تأت بجديد، فبعض الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، كحق الانسان في المأكل والملبس والمسكن والرعاية الصحية والتعليم والعمل، وردت في الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عام 1948 وبالتحديد في المواد 23 و25 و26، كما ان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية على مستوى الدول والافراد كانت قد وردت في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الصادر عام 1966 وبالتحديد في المواد 6 و7 و11و 12 و13، التي نصت على الحق في العمل وفي مستوى معيشة كاف له ولأسرته والحق في الصحة والتعليم (الالزامي- المجاني) وغيرها (21).وإذا كان الامر صحيحاً، فالصحيح أيضاً ان الجديد في الاعلان " الحق في التنمية" هو " ربط هذه الحقوق صراحة بعملية التنمية بابعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، واعتبار عملية التنمية (حقاً) من حقوق الانسان، وليست مجرد (طلب) يطالب به الافراد قد تستجيب له الحكومات أو لا تستجيب، كما ان الموافقة على (الحق في التنمية) من جانب الدول النامية تعني ان هذه الدول اصبحت مسؤولة امام شعوبها عن القيام بالتنمية وما يتطلبه ذلك من أبعاد اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية، وكذلك فان الموافقة على هذا الحق من جانب الدول المتقدمة تعني ان هذه الدول اصبحت مسؤولة عن مساعدة الدول النامية، التي تفتقر الى الموارد المالية والفنية الكافية لتحقيق التنمية الاقتصادية..."(22).لم يحظ اعلان الحق في التنمية على إجماع أعضاء الامم المتحدة، فقد اعترضت عليه الولايات المتحدة الامريكية وتحفظت عليه بعض دول أوروبا "الموحدة" على بعض مواده وفقراته مثل " حق الدول النامية في المساعدات المالية"، لكن الاهتمام الكبير بالاعلان ناجم عن كونه تعّرض لاوضاع ثلاثة ارباع سكان الكرة الارضية، وهم سكان دول البلدان النامية او " العالم الثالث".ويعود الموقف من موضوع التنمية الى "الخندق الايديولوجي"، التي ظلّت تتمترس فيه بعض الانظمة والتيارات السياسية ورؤيتها ازاء حقوق الانسان، وذلك باختلاف نظمها الاقتصادية، فالدول الاشتراكية السابقة والصين وبعض بلدان التحرر الوطني وغيرها، كانوا يتبعون نظام الحزب الواحد سياسياً، ونظام التخطيط الشامل اقتصادياً، وتدخل الدولة عنصراً اساسياً في النشاط الاقتصادي، وتتخذ موقفاً سلبياً من الحقوق المدنية والسياسية، ولكنها من ناحية اخرى تؤيد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، او توفر حدّها الادنى على اقل تقدير.مقابل ذلك فان الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية التي تعمقت فيها تاريخياً الحقوق والحريات، ظلت تدعو لإحترام الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الفردية، وتتخذ اجراءات ضد البلدان التي تنتهكها على نحو سافر، ولكنها لا تولي اهتماماً كافياً، بل يصل الامر الى اهمال متعمد أحياناً ازاء الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوق الجماعية للشعوب بما فيها حق تقرير المصير، مما يفقدها الكثير من الصدقية، ناهيكم عن تطبيقات انتقائية وازدواجية في المعايير بسبب التوظيف السياسي لتلك الحقوق. هكذا يمكن القول أن إتباع نظام السوق يؤدي الى قدر معين من البطالة، مما يعني ضمناً تجاوزاً على حق الفرد في العمل، وكذلك الحال ما له علاقة بمستوى المعيشة (23).وقد عرّف اعلان الحق في التنمية عملية التنمية بانها عملية متكاملة ذات ابعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية تهدف الى تحقيق التحسن المتواصل لرفاهية كل السكان وكل الافراد، والتي يمكن عن طريقها تحقيق حقوق الانسان والحريات الاساسية.وقد وضع البرنامج الانمائي للامم المتحدة UNDP تفسيرات لمفهوم التنمية المستديمة والمتواصلة بأنها تعني القضاء على الفقر وتدعيم كرامة الانسان وإعمال حقوقه وتوفير فرص متساوية أمام الجميع عن طريق الحكم الصالح والذي يمكن عن طريقه ضمان جميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية.صدر اعلان الحق في التنمية عام 1986 بأغلبية 146 صوتاً وعارضته الولايات المتحدة، التي سبق لها ان عارضت انشاء فريق العمل الخاص بالتنمية، رغم مشاركتها بعد تأسيسه مشيرة الى ان تعبير " حقوق الانسان للشعوب" يعتبر غير دقيق ويثير الخلط، في حين تغيّب 8 دول عن التصويت بينها اسرائيل وبريطانيا واليابان. وركزت التحفظات أو المآخذ حول العلاقة بين حقوق الانسان والنظام الاقتصادي العالمي الجديد، او مبدأ عدم قابلية حقوق الانسان للتجزئة او الاعتراف بالمساعدة للدول الفقيرة كالتزام قانوني دولي(24).وبامكاننا اعتبار " الحق في التنمية" يمثل الجيل الثالث من منظومة حقوق الانسان، الى صيانة السلم العالمي او حق السلم كما يقال والحق في بيئة نظيفة وسليمة والحق في الاستفادة المشتركة من التراث البشري ومنجزات العلم والتكنولوجيا، هذا اذا ما اعتبرنا الحقوق المدنية والسياسية تمثل الجيل الاول والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تمثل الجيل الثاني، فان حق التنمية والسلم يشكلان محور الجيل الثالث لمنظومة حقوق الانسان الدولية، ويمكن اعتبار الحق في الديمقراطية أحد أركان الجيل الرابع لحقوق الانسان.ونجد هنا ضرورة التأكيد على تفاعل الحقوق وتكاملها دولياً ووطنياً، واذا كان الغرب كما اشرنا قد ركز على الحقوق المدنية والسياسية، فانه لم يعط الحقوق الاقتصادية الاجتماعية والثقافية الاهتمام المطلوب الاّ مؤخراً. اما حق التنمية فقد شهد فصلاً تعسفياً احيانا من جانب بعض البلدان الغربية كالولايات المتحدة وبريطانيا وبدرجة اقل فرنسا وهولندا عن الحقوق الاخرى وبخاصة ما يتعلق " بالعالم الثالث".ان الحق في التنمية يؤكد ترابط حقوق الانسان كافة وعدم القدرة على فصلها او تجزئتها كما ان حقوق الانسان الفردية لا يمكن فصلها عن حقوق الشعوب والامم.ولهذا فان صدور اعلان الحق في التنمية كان خطوة مهمة لتحقيق التكامل في الحقوق وكان الطابع العام للاعلان متوازياً.وتشير مقدمة إعلان الحق في التنمية الى ان " التنمية عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية شاملة تستهدف التحسن المستمر لرفاهية السكان بأسرهم والافراد جميعهم على اساس مشاركتهم النشطة والحرة والهادفة في التنمية وفي التوزيع العادل للفوائد الناجمة عنها (25). ومن هذا المنطلق ينظر اليها كمسار اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي شامل يهدف الى تحقيق النهوض المطرد برفاهية الناس بالاعتماد على مشاركتهم الحرة والتقاسم العادل للخيرات والثروات، اي الاقرار بمحورية الانسان في عملية التنمية وبهذا المعنى فان العلاقة بين التنمية وحقوق الانسان هي علاقة احتوائية خصوصاً وان التنمية هي حق متفرع من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومؤلف ومكوّن منظومة حقوق الانسان (26).وجاء فيه ايضا" ... يحق لكل فرد .... ان يتمتع بنظام اجتماعي ودولي يمكن فيه اعمال الحقوق والحريات المبينة في هذا الاعلان اعمالاً تاماً.. واذ تشير الى حق الشعوب في تقرير المصير الذي بموجبه يكون الحق في تقرير وضعها السياسي بحرية وفي السعي الى تحقيق تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بحرية.. في ممارسة السيادة التامة الكاملة على جميع ثرواتها ومواردها الطبيعية..."يتألف اعلان الحق في التنمية بعد الديباجة الطويلة من 10 مواد ركّزت على ما يلي: 1- الحق في التنمية كحق للانسان وكحق للشعوب، والتوفيق بين احترام حق الشعوب في السيادة على ثرواتها وبين الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والثقافية.2- الانسان هو الموضوع الرئيسي للتنمية، والمسؤولية فردية وجماعية ومن حق الدول ومن واجباتها وضع سياسات تنموية وطنية ملائمة (لاحظ حق وواجب).3- الحق في التنمية يقضي احترام مبادئ القانون الدولي وعلاقات الصداقة والتعاون وضرورة ازالة العقبات التي تعترض التنمية.4- ضرورة تعزيز تنمية البلدان النامية.5- التنمية مرتبطة بالسلام، ولذلك لا بدّ من صيانة السلم والامن الدوليين.6- ضرورة تحقيق تكافؤ الفرص واتخاذ تدابير فعالة لضمان قيام المرأة بدور نشيط في عملية التنمية، اي التركيز على البعد الداخلي في الحق في التنمية.7- تأكيد مبدأ عدم قابلية الحقوق للتجزئة.8- صياغة وتبني وإعمال تدابير سياسية وتشريعية وغيرها على المستوى الوطني والدولي،لتطبيق الحق في التنمية.وبعد نقاشات دولية وحقوقية تبنت لجنة حقوق الانسان في 4 آذار (مارس) 1993 قراراً يقضي بانشاء فريق عمل يعني بالحق في التنمية وتحديد المعوقات وتقديم التوصيات.ومنذ ذلك التاريخ بدأت بعض الاقتراحات تتفاعل للاعداد لاتفاقية دولية حول الحق في التنمية، اي دراسة امكانية تطوير اعلان الحق في التنمية الى اتفاقية دولية شارعة اي منشأة لقواعد قانونية جديدة ذات صفة الزامية.لا بد من الاشارة الى اهمية الترابط بين الديمقراطية والتنمية وحقوق الانسان، فما زالت الثغرة كبيرة بين خطاب الدول الصناعية المتقدمة وبين الدول النامية الفقيرة، سواء في موضوع الهيكلة او حقوق الانسان او مبدأ المساواة او غيرها على المستوى الدولي او على المستوى الوطني المحلي.وكاطلالة سريعة لاعلان الحق في التنمية، فانه يتضمن طائفة واسعة من الحقوق ضمن المنتظم الدولي والوطني وبشكل خاص فيما له علاقة بالشرعة الدولية لحقوق الانسان وبأركانها الاساسية، كالاعلان العالمي لحقوق الانسان والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.ويمكن من خلال هذه الاطلالة قراءة المحددات التالية التي تضمنها الاعلان وما يمكن استنطاقه من مدلولات النص كمضمون رئيس لحق التنمية سواء في القانون الدولي، كحق للانسان (الفرد، الكائن البشري) أو حقوق الشعوب.وهذا الحق يتضمن: • حق المشاركة في الشؤون العامة (دولياً ووطنياً).• الحق في حرية تأسيس الجمعيات. • التعددية.• حرية التعبير وحرية الراي. • حرية الاعلام وحق تلقي المعلومات.• مشاركة المرأة.• الحق في تنمية وتعزيز الديمقراطية المحلية.• حق التنمية كحق للتمتع بحقوق الانسان الاخرى.• التزام الدولة بمراعاة حقوق الانسان في سياسات التنمية.• الحق في التنمية والمساواة في السيادة في العلاقات الدولية.• حق الشعوب في اختيار نظامها السياسي.• مبدأ السيادة الدائمة على الثروات الطبيعية.• حق التنمية وواجب التعاون الدولي والاستفادة من التكنولوجيا والعلم.• حق التنمية وربط المساعدة باحترام حقوق الانسان (اي ربط المساعدة باحترام حقوق الانسان في العلاقات الدولية).• التزام المنظمات الدولية بمعايير حقوق الانسان في انشطة التعاون الدولي من اجل التنمية (27).هناك عقبات وعراقيل وصعوبات تحول دون إعمال الحق في التنمية سواء في المجتمع الدولي او في المجتمع الوطني، اذ ان الحق في التنمية بما يرتبط به من حقوق والتزامات على الدول والمنظمات الدولية وسواء على المستوى الدولي او الوطني المحلي، يلاقي الكثير من العقبات التي تتطلب اعادة النظر في الكثير من السلطات والمواقع والامتيازات والعلاقات والبنى القائمة والعادات المترسخة.ان بعض مصادر هذه العراقيل هي : النظام الدولي بكامله ببعده القانوني والمؤسسي والاقتصادي والسياسي، اي تأويل وتفسير القانون بطريقة ازدواجية وانتقائية في المعايير، واستخدام المؤسسات الدولية والتحكم بالعلاقات الاقتصادية الدولية وترتيب المصالح والنفوذ والقوة والاستقطابات، اي علاقات الهيمنة التي يعاني منها ملايين البشر وعدد كبير من الشعوب التي ترزح تحت نير التبعية والهيمنة او الاحتلال المباشر والفقر والتهميش.ليس هذا حسب بل ان العوامل الخارجية الاخرى كثيرة التي تحول دون بلوغ التنمية منها، احتلالات الاراضي والحروب والاعمال العسكرية والنزاعات المسلحة الدولية والداخلية والارهاب الدولي، وكذلك تعرض بعض الشعوب والبلدان الى الحصارات الدولية التي يمكن ان تشكل عائقاً جدياً وحقيقياُ امام التنمية وبخاصة التنمية الانسانية المستديمة والتي تعدّ انتهاكاً سافراً وصارحاً لحقوق الانسان (28). ولعل تجربة العراق ونظام العقوبات الذي فرض عليه 1990-2003 وفيما بعد احتلاله خير دليل على انهيار المجتمع بكامله وليس تعطل التنمية حسب، وذلك لان نظام العقوبات، الذي يقع على الدولة بإفتراض مخالفة حكامها لقواعد القانون الدولي، لا ينحصر ضرره على مؤسساتها حسب، بل ينعكس على المواطن العادي، الذي لم يكن مسؤولا عن تصرفات حكومته، حتى وإن كانت استبدادية او غير شرعية في تجاوزها على القانون الدولي، فما بالك وان الاحتلال قد فجّر جميع النزعات الطائفية والمذهبية والاثنية والتجزيئية وعزز الاتجاهات التقسيمية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.ويمكن القول ان جميع اشكال العقوبات والاحتلالات تؤدي الى إبطال عملية التنمية وحرمان الانسان من فرص العيش الطبيعي، وبالتالي تشكل هدراً سافراً وصارخاً لا يخص التنمية فحسب بل لكل منظومة حقوق الانسان ومقومات استمراره وديمومته ككائن بشري(29).اما اهم المعّوقات للتنمية Obstacles of Development على المستوى الداخلي، فهي الفقر والفساد الاداري المحلي والدولي، وغياب الحريات الديمقراطية وتهميش دور المرأة وانخفاض مستوى التعليم والثقافة بما في ذلك استمرار تفشي ظاهرة الامية وبتجاهل حقوق الاقليات وعدم الاعتراف بها، وغيرها اضافة الى ما ذكرناه.ورغم التقدم الكبير الحاصل الذي احرزه العالم والمجتمع الدولي في وضع إطار مفاهيمي للتنمية كحق من حقوق الانسان وشمولية مفهوم التنمية، الا انه للاسف الشديد، لم يواكب هذا التطور في المفهوم تطور مماثل في السياسات الوطنية او الدولية، فإستمرت معظم الدول النامية ومنها الدول العربية في إتباع سياسات تنموية تعطي اولوية لاعتبارات النمو الاقتصادي- ان استطاعت- وتخضع لاملاءات الضغوط السائدة في كل الاحوال، كما استمرت السياسات الدولية في تكريس هيكل علاقات يفضي الى المركزية ويعزز اللامساواة (30).خاتمةيمكن القول ان التنمية في البلدان العربية مرّت بثلاث مراحل أساسية كجزء من البلدان الحديثة الاستقلال سواءً كانت انظمة ثورية أو محافظة، جمهورية أو ملكية فإن هناك بعض الخصائص المشتركة التي جمعتها، وإن كانت هناك منطلقات مختلفة ومتباعدة بينها خصوصاً الطريق الذي سلكته لتحقيق التنمية، والعقبات التي واجهتها.الاولى- مرحلة ما بعد الاستقلال أو نشوء الدول الحديثة العهد، وما رافق ذلك من نقاشات وجدالات حول الاهداف والسبل والاليات والفئات المستهدفة والطريق الذي يمكن اختياره الى التنمية، هل هو طريق التوجه " الاشتراكي" ام طريق التطور اللارأسمالي والنظام الاقتصادي الموّجه والتركيز على دور القطاع العام والتخطيط المركزي أم حرية السوق واعلاء دور القطاع الخاص!؟ وما رافق ذلك من تطور ونمو اقتصادي ولكن مرحلة ما بعد الاستقلالات العربية ونشوء الدول الحديثة شهدت انقطاعاً لخط التطور التدريجي عبر ثورات وانقلابات وتقليص الحريات والحياة البرلمانية والتعددية، على حساب دور الطبقة الوسطى والمثقفين وصعود العسكر والفئات الريفية، القليلة التعليم والمعارف. وقد وصلت هذه المرحلة الى طريق مسدود، رافقه انتشار ظاهرة الفساد والرشوة والهوّيات المصغّرة بانتعاش النزعات الطائفية والمذهبية والعشائرية والجهوية وغيرها.الثانية- مرحلة الطفرة النفطية للبلدان الشديدة اليُسر، والتي استمرت منذ اواخر العام 1973 (بعد ما سمي بحرب اكتوبر) واستخدام النفط سلاحاً في المعركة وحتى مطلع الثمانينات ومن ابرز سمات تلك المرحلة ارتفاع اسعار النفط، وجود فوائض بمليارات الدولارات سنوياً، التي اتجهت الى البنوك الامريكية والاوروبية، واحدثت الفوائض تنمية محلية سريعة وبخاصة في الدول النفطية خلال فترة قصيرة سواء للبنى التحتية وفي مستوى التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية والتجارية والرفاه بشكل عام.الثالثة-مرحلة الانكماش الاقتصادي وبخاصة بعد اندلاع الحرب العراقية- الايرانية 1980 وطاولت تلك المرحلة عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وما تبع ذلك من حروب واحتلالات وبخاصة بعد غزو القوات العراقية للكويت عام 1990 وحرب قوات التحالف ضد العراق في العام 1991 ومن ثم فرض حصار دولي عليه، وشنّ الحرب عليه عام 2003 وسقوط بغداد ووقوعها تحت الاحتلال في 9 نيسان(ابريل) من العام نفسه.ومن اهم سمات هذه المرحلة تراجع معدلات النمو واستمرار ظاهرة الامية والبطالة وهجرة العقول والادمغة وازدياد الاعتماد على العمالة الاجنبية في دول الخليج العربي مقابل ارتفاع هجرة حادة للكفاءات في دول المغرب العربي.وادت هذه الاوضاع، حسب د. مسعود ظاهر في بحثه القيّم حول الامن الثقافي، الى تفاقم مشكلات الامن الثقافي والوطني والقومي بصورة حادة وبخاصة في دول الخليج، ويرجع السبب في كشف نقدي لمسيرة التنمية العربية الى انها اعتمدت على مشاريع استهلاكية وعلى التبادل التجاري، والى كونها تعمل بعيداً عن التكامل العربي في ظل توجه عالمي لاقامة وحدات اقتصادية كبيرة والى اعتمادها الى بيع المواد الاولية وعلى استيراد العمالة الاجنبية فضلاً عن أن تلك التحولات جرت في ظل وجود قوات عسكرية اجنبية(31) التنمية والحكم الصالح يمكنهما السير معاً اذا توفرت ارادة سياسية وتشريعات ضامنة ومؤسسات وقضاء مستقل ومساءلة وشفافية وتداول سلمي للسلطة ومجتمع مدني ناشط ورقابة شعبية واعلام حر ، اذ لا يمكن تحقيق احدهما دون الآخر الاّ استثناءً. أما القاعدة فهي التداخل والتواصل ما بينهما والاّ وصل كلاهما الى طريق مسدود. ولهذا فان مواجهة الاشكاليات والتحديات انما يستهدف اختيار السبل الصحيحة والمناسبة لإحداث التنمية الانسانية المنشودة والشاملة وفي ظل حكم صالح (راشد) ورقابة فعالة للمجتمع المدني.المصادر والهوامش(1) يمكن اقتباس الفقرة الآتية من "لسان العرب" لإبن منظور التي يمكن أن تستدل على " الحكم الصالح " أو تقدم مقاربة له ، حيث جاء فيه "من صفات الله الحكم والحاكم. بمعنى هو القاضي يحكم الأشياء ويتقنها. وقيل حكيم ذو الحكمة (أي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم) وبمعنى قادر عليه . حكمت بمعنى منعت : قيل الحاكم بين الناس ، لأنه يمنع الظالم عن الظلم (أي الفصل بين الحق والباطل ، أو بين الظالم والمظلوم). أصل الحكومة رد الرجل عن الظلم ، والحكم: هو القضاء وجمعه أحكام ، حكم: قضى والحاكم منفذ الحكم . حكمنا فلاناً : أجزنا له الحكم بيننا، الإحتكام، المحاكمة: المخاصمة إلى الحاكم" . انظر : شعبان، عبد الحسين- تقرير التنمية الانسانية العربية لعام 2004، " نحو الحرية في الوطن العربي" الورقة الخلفية الخاصة بالقهر السياسي. كذلك مساهمة الباحث في محاضرة في منتدى الدوحة الخامس للديمقراطية والتجارة الحرة، 29-30 آاذر (مارس) 2005 بعنوان " الاطار الدولي للديمقراطية والحكم الصالح- مقاربات فكرية وحقوقية" وكذلك بحث بعنوان " المعوّقات والتحديات أمام الديمقراطية والحكم الصالح" مقدّم الى المنظمة العربية لمكافحة الفساد، بيروت، مطلع العام 2006.(2) انظر: فرجاني ، نادر – تعقيبه على ورقة حسن كرّيم بعنوان، مفهوم الحكم الصالح، كتاب " الفساد والحكم الصالح في البلاد العربية" المؤلف : جماعي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، كانون الاول (ديسمبر)، 2004، ص 124 و125.(3) UNDP- Reconceptualizing governance for sustainable Human Development : Discussion paper 2, P 5 انظر كذلك : UNDP,Governance for sustainable Human , Development UNDP policy document (New York) UNDP.1997(4)انظر: شعبان، عبد الحسين- الورقة الخلفية لتقرير التنمية الانسانية العربية لعام 2004، مصدر سابق.(5) انظر: كريّم، حسن – مفهوم الحكم الصالح، مجلة المستقبل العربي، السنة 27، العدد 309، تشرين الثاني (نوفمبر)، 2004، ص 40-65. انظر: كتاب " الفساد والحكم الصالح في البلاد العربية" مركز دراسات الوحدة العربية، كانون الاول (ديسمبر) 2004، ص 95-123.(6) انظر : تقرير التنمية الانسانية العربية لعام 2002 : خلق الفرص للاجيال القادمة، برنامج الامم المتحدة الانمائي والصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي، 2002، ص 18.(7) انظر: governments and development- world bank, Washington, 1992,P9(8) انظر: تقرير التنمية في الشرق الاوسط وشمال افريقيا- الحكم الجيد لاجل التنمية في الشرق الاوسط وشمال افريقيا: تحسين التضمينية والمساءلة، البنك الدولي، واشنطن، 2003، ص 3.(9) انظر : كريّم، حسن- مفهوم الحكم الصالح، مصدر سابق.(10)what is good governance_un ESCAP, p3 http://www.gdrc.org/u-gov.escap-governance.html(11) قارن: كتاب بعنوان: "مقاربة حول أنظمة الحكم والديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول العربية"، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي اسيا (الاسكوا) بالتعاون مع مؤسسة كونراد اديناورالالمانية, نيويورك 2005 ص 13.قارن كذلك : The world Bank, better governance for development in the Middle East and North Africa enhancing (31) inclusiveness and accountability, 2003, UNDP, Arab Human Development Report, 2002; ESCWA, good governance:Enhancing macro-management in the ESCWA region, 2001(12) أنظر: اشكاليات الديمقراطية في العالم العربي، 2004 ، ص18 ESCWA.(13) أنظر : مقاربة حول أنظمة الحكم والديمقراطية، ESCWA ، مصدر سابق ، ص 10.(14)انظر: برنامج الامم المتحدة الانمائي لعام 2002، مصدر سابق ص 103 -106 والحكم الصالح: تحسين الادارة الكلية في منطقة الاسكوا، نيويورك 2003 ص 15-45. نقلاً عن حسن كريم، مفهوم الحكم الصالح، مصدر سابق ، ص 108وتقرير التنمية الانسانية لعام 2004 (البرنامج الانمائي للامم المتحدة).(15) حسب تقرير منظمة العفو الدولية لعام 1998 Amnesty International فان هناك ما يزيد عن مليار و300 مليون انسان يعيشون بدخل لا يزيد عن دولار واحد يومياً، وحسب التصنيف الاقتصادي فانهم يقعون دون خط الفقر، لندن، 1998.(16) انظر: النويضي، عبد العزيز- الحق في التنمية بين القانون الدولي والعلاقات الدولية. دار النشر بلا، 1998، ص2.انظر كذلك : عبد اللطيف، عادل (مستشار برنامج الامم المتحدة الانمائي) مداخلته في الندوة الاقليمية حول حقوق الانسان والتنمية، القاهرة 7-9 حزيران (يونيو)1999، انظر: كتاب حقوق الانسان والتنمية اصدار المنظمة العربية لحقوق الانسان وبرنامج الامم المتحدة الانمائي، تقديم فواز فوق العادة ومحمد فائق، تحرير محسن عوض، القاهرة، ط1، 1999، ص 90.(17) انظر : باجي، جون، مداخلته في ندوة القاهرة حول حقوق الانسان والتنمية،مصدر سابق، ص 94.(18)Vasak, K-A30 years struggle. The sustained efforts to give force of law to the Universal Declaration of Human Rights, UNESCO Courier, Paris, 1977.(19) قارن: النويضي، عبد العزيز- الحق في التنمية، مصدر سابق، ص 20.(20) انظر: روبنسون، ماري، مداخلتها في ندوة القاهرة حول " التنمية وحقوق الانسان" مصدر سابق، ص47. (21) قارن الشرعة الدولية لحقوق الانسان الامم المتحدة، الرسالة رقم 2، جنيف 1988.(22) انظر الدراسة القيمة التي تقدمت بها الاستاذة كريمة كريم الى ندوة القاهرة حول " حقوق الانسان والتنمية"، مصدر سابق، ص 99-100 وتشير الباحثة الى ان ثمة دراسات ظهرت تدعو الى " الحق في المساعدات المالية".(23) حول دور المنظمات غير الحكومية، انظر: الورقة التي تقدمت بها الدكتورة اماني قنديل في ندوة القاهرة، حول " حقوق الانسان والتنمية" حيث تناولت دلالة المدخل التنموي لدور المنظمات غير الحكومية NGO، والعوامل التي تؤثر في صياغة هذا الدور. وبيّنت الورقة ان الازمات الاساسية التي تشهدها الدول النامية ، تؤثر في صياغة ادوار المنظمات غير الحكومية ورصدت ثلاث ازمات مؤثرة هي : أزمة " الشرعية" وأزمة " الهوية" وأزمة " العقلانية العملية"، مشيرة الى اهم ما يواجه هذه المنظمات من قضايا في مقدمتها: "النخبوية" و " الثقافة المدنية" و " المشاركة" و " الديمقراطية وادارة الحكم" و " استقلالية" المنظمات غير الحكومية. انظر كذلك: المقدمة التحليلية للاستاذ محسن عوض، مصدر سابق، ص 25-26.(24) قبل تبني الاعلان ، سبق للجمعية العامة أنْ أنشأت فريق العمل حول الموضوع، وقبل ذلك وردت اشارة لها في القرار 46/34 في 23 تشرين الثاني(نوفمبر) 1979 بان الحق في التنمية هو حق من حقوق الانسان. انظر: النويضي، عبد العزيز، الحق في التنمية، مصدر سابق ، ص 45. (25) اعلان الحق في التنمية- اصدار الامم المتحدة، ادارة شؤون الاعلام، نوفمبر 1990.قارن ايضا: النويضي، عبد العزيز: حق التنمية، مصدر سابق.(26) قارن: المحجوب، عزام - ورقته المقدمة الى ندوة القاهرة، حول حقوق الانسان والتنمية- والموسومة " علاقة التنمية بحقوق الانسان" ، مصدر سابق، ص 194.(27)انظر: بالتفصيل الكتاب الغني بالتحليل والمعلومات للفقه النظري والعملي بخصوص التنمية، للباحث الدكتور النويضي، عبد العزيز، الحق في التنمية، مصدر سابق.(28) انظر مداخلة الباحث في ندوة القاهرة حول " حقوق الانسان والتنمية"، حيث ورد في ورقته التعقيبية على الدكتور محمود عبد الفضيل ومحسن عوض، ان العولمة تشكل تهديداً دولياً حقيقياً للتنمية المستقلة، مشيراً اليها كشكل من اشكال الهيمنة الجديدة وجزء من الصراع الايديولوجي على المستوى الدولي، الذي انتقل من طور الى طور خصوصاً بانهيار نظام القطبية الثنائية، وتحكّم لاعب أساس في اللعبة الدولية ومحاولة فرض نموذجه الاقتصادي والسياسي. واذا كانت الحرب الباردة قد طبعت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وحدد الغرب لنفسه هدفاً واضحاً وهو القضاء على "امبراطوريات الشر" والمقصود بها الكتلة الاشتراكية وحركات التحرر الوطني في البلدان النامية، فان العولمة الان استبدلت ذلك بالاسلام بما فيه المنطقة العربية في محاولة لفرض الهيمنة.وتطرق الباحث الى الحصار وعلاقته بالتنمية وحقوق الانسان، فاشار الى ان الحصار الذي فرض على العراق في 6 آب (اغسطس) عام 1990 إثر احتلال القوات العراقية للكويت في 2 آب(اغسطس) من العام نفسه، ثم تلا هذا القرار قرارات صدرت ضمن الفصل السابع الخاص بالعقوبات وتوجّت بالقرار 687، الذي كنّي ابو القرارات ليعكس نتائج الحرب وليقرّ نمطاً جديداً وغريباً في التعامل الدولي، يعدّ جريمة دولية ونوعاً من انواع حرب الابادة الجماعية الطويلة الامد الاكثر خبثاً ومكراً وألماً.انظر كذلك: شعبان، عبد الحسين، الانسان هو الاصل، مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان، القاهرة،2002، ص 120 وما بعدها.(29) انظر بحثنا الموسوم الحصار الاقتصادي وتشريع القسوة، مجلة الزمان الجديد، أيار (مايو)2000، كذلك محاضرتنا عن نظام العقوبات بعنوان " الحصار الاقتصادي وحقوق الانسان" كازابلانكا، نيسان(ابريل)، 1999، المؤتمر الاول للحركة العربية لحقوق الانسان، كذلك حوارات وبحث في كتاب : العراق تحت الحصار، بمساهمة د. عزيز الحاج، د.وميض عمر نظمي، جورج غالوي، وعبد الحسين شعبان، مركز البحوث العربية، القاهرة، 2000.(30) انظر: فائق، محمد – معوقات التنمية " في كتاب (الامعان في حقوق الانسان) "، تأليف هيثم المناع، دار الاهالي، دمشق، 2000، ص 119-126.(31) انظر: ظاهر، مسعود، الامن الثقافي والتنمية المستدامة في عصر العولمة ورقة عمل مقدمة الى المؤتمر السنوي الثاني بعنوان" مؤتمر حقوق الانسان في اطار العدالة الجنائية"، مركز عمان لدراسات حقوق الانسان، عمان، 27-29 حزيران (يونيو) 2006.